سيد محمد طنطاوي

177

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

جاء أجلهم « . أي : فإذا حان الوقت المحدد لهلاكهم ، فارقوا هذه الدنيا بدون أدنى تقديم أو تأخير عن هذا الوقت . هذا ، ومن العلماء من ذهب إلى أن المراد بالناس هنا : الكفار خاصة ، لأنهم هم الذين أشركوا مع اللَّه آلهة أخرى . ويبدو لنا أن المراد بالناس هنا : العموم ، لأن قوله « من دابة » يشمل كل ما يطلق عليه اسم الدابة ، ولأن النكرة في سياق النفي إذا زيدت قبلها لفظة « من » تكون نصا صريحا في العموم . وإلى العموم أشار ابن كثير عند تفسيره للآية بقوله : يخبر اللَّه - تعالى - عن حلمه بخلقه مع ظلمهم ، وأنه لو يؤاخذهم بما كسبوا ما ترك على ظهر الأرض من دابة ، أي : لأهلك جميع دواب الأرض تبعا لإهلاك بني آدم . ولكن الرب - جل وعلا - يحلم ويستر وينظر . . » « 1 » . وقال القرطبي : فإن قيل : فكيف يعم بالهلاك مع أن فيهم مؤمنا ليس بظالم ؟ فالجواب : يجعل هلاك الظالم انتقاما وجزاء ، وهلاك المؤمن معوضا بثواب الآخرة ، وفي صحيح مسلم عن عبد اللَّه بن عمر قال : سمعت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يقول : إذا أراد اللَّه - تعالى - بقوم عذابا أصاب العذاب من كان فيهم ثم بعثوا على نياتهم - وأعمالهم - ، « 2 » . وشبيه بهذه الآية الكريمة قوله - تعالى - : ورَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ ، بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِه مَوْئِلًا « 3 » . وقوله - تعالى - : ولا تَحْسَبَنَّ اللَّه غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ، إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيه الأَبْصارُ « 4 » . وقوله - تعالى - : إِنَّ أَجَلَ اللَّه إِذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ « 5 » . ثم حكى - سبحانه - رذيلة أخرى من رذائل المشركين فقال - تعالى - * ( ويَجْعَلُونَ لِلَّه ما يَكْرَهُونَ . . . ) *

--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 4 ص 497 . ( 2 ) تفسير القرطبي ج 10 ص 120 . ( 3 ) سورة الكهف الآية 58 . ( 4 ) سورة إبراهيم الآية 42 . ( 5 ) سورة نوح الآية 4 .